اِقْـــــتَــرِبْ

هو ليس اقتراب الجسد والطقوس والحركات

هو اقتراب الروح والعقل والهوى

اقترابٌ من قبس السعادة والطاقة الإيجابية والقوة الكونية التي تُسيِّر كل ما نرى وما لا نرى

اقترابٌ من سر الطمأنينة وهدأة النفس وراحة البال

عشقٌ لمن صنع كل شيء وبيده كل شيء

قربٌ فيه لذَّةٌ لا تشبه أي لذَّة

لا ترتبط بديانةٍ أو مذهب، بل يشعرها المؤمنون الموحِّدون، مسلمون كانوا أم مسيحيُّون أو يهود… بجميع مذاهبهم

 

هي لذَّةٌ تدوم بدوام القرب… ولا تشبهها في شيء اللذَّة الوقتيَّة التي تتأتى من أي متعٍ دنيويَّة، يماثل مفعولها المسكِّنات التي تُغطِّي ألم الجسد والنفس للحظاتٍ، وإن طالت… لتخلِّف في إثرها سمومًا تطالهما فيما بعد، وتتركهما في حالةٍ أشدَّ سوءًا مما كانا فيه

فلماذا يُصرُّ الخالق على القرب والاقتراب؟

كالصانع يعلم أسرار صنعته كما لا يعلمها أحد… يعرف أن هذه النفس المتعَبة المتخبطة دائمًا والتائهة مرارًا والجوعى دون أن تدرك سر جوعها، لن تهدأ حتى تقترب

يلحُّ الله في الكثير من مواضع الكتاب المقدَّس على القرب…

“كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب”

“فإني قريب”

“وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد”

“لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا”

وكالأم الحانية التي تلحظ ولدها مُقدِمٌ على ما يؤذيه… تحاول أن تثنيه عن ذلك بالترغيب والإغراء بأصناف المغانم تارةً، وبالتهديد والتوعُّد بالعقوبات والحرمان تارَّةً أخرى، علَّه يعود عن ذلك… هي تعلم ما فيه خيرٌ له، وهو يظنَّها قاسية ومتشددة

هنا نستدعي أيضًا سر حاجة الإنسان الملحَّة للنوم العميق تمامًا كحاجته للهواء والماء والطعام، والذي يؤدي حرمانه منه لفترةٍ مطوَّلة إلى الهذيان والجنون ثم الموت الفعلي… دون أن يكون هناك سببٌ فيزيائي يمكن قياسه لذلك أو حاجةٌ فيسيولوجية استطاع العلماء أو الأطباء وضع يدهم عليها أو تفسيرها بدقَّة مثل حاجة الجسم للطعام أو الشراب أو الهواء… وهو ما فسَّره الحقُّ بمنتهى البساطة حين بيَّن أن النوم هو موتةٌ صغرى… تنطلق خلالها الروح (كما في الموت) وتغادر الجسد الدنيوي الفاني، باحتياجاته المادية وقصوره البيولوجي، لتقترب من الذات الإلهيَّة فتأخذ منها حاجتها من الطاقة والطمأنينة والحب والنور… ثم تعود بعد ذلك، إن لم ينتهي العمر المقدَّر، لتسكن ذلك الجسد.  ومن يقرأ في أسرار الروح والموت والنوم يجد في هذا التفسير الكثير من المنطق

إذا نظرنا سنجد نمطين من البشر…

  1. المؤمنون حقًّا… وهم ليسوا من يؤدُّون الشعائر والطقوس والإيماءات والواجبات دون أن تلمس قلوبهم… بل هم من يقيموها حقَّ إقامتها في حياتهم وتعاملاتهم، ويشعرون بالامتنان لقدرتهم على أدائها… بل ويشتاقون إليها

هؤلاء نلحظ لديهم اطمئنانًا وهدوء نفس غير عادي، يمكن تمييزه في كلامهم ونبرات صوتهم وفي فكرهم وحتى لغة جسدهم، وهو أوضح ما يكون في البسمة التي تكاد تكون دومًا مرتسمة على وجوههم فتشعر معها بأنهم، رغم جميع الآلام والمصائب والصعوبات التي قد يكونوا يمرُّون بها، وجدوا كنزًا خالدًا لا يفنى ويقينًا بأنهم مالكو هذه الأرض والحياة والآخرة الأبدية… لدرجةٍ قد يحسدهم عليها البعض ويظنون أن لديهم سرًّا ما (والأمر هو بالفعل كذلك)

  1. المبتعدون… الذين ألهاهم التكاثر… وشغَلهم لهاثٌ دائم وراء أهداف ومغانم مرحليَّة دنيويَّة اعتقادًا منهم أن الإنسان ما هو إلا الجسد… واعتقادًا منهم أن هذه الأهداف والمغانم ستحقق لهم السعادة المنشودة في حين أن كل ما تعطيهم هو مسكِّنٌ مؤقت وجرعة أدرينالين… تتلاشى لتترك توقًا لما هو أكثر مما حققوه…

ينتهي الأمر هنا بواحدةٍ من ثلاث…

أناسٌ حقَّقوا كل ذلك، بل وأكثر مما يحلمون… حتى آل بهم المطاف إلى………. الانتحار

وهو ما لم يستطع أحد تبريره وفق المقاييس المعتادة… فقد حازوا المال والشهرة ومحبة الملايين… لكن روحهم لم تجد حاجتها… ولم يعودوا يستطيعوا وفق المعايير الدنيوية أن يجدوا ما هو “أكثر” ليطلبوه… فطلبوا الموت! كي ترتاح روحهم

وأناسٌ أكثر حظًّا… اهتدوا بعد الابتعاد إلى المصدر الحقيقي للسعادة… فتجدهم، أيضًا بعد طول ابتعادهم واختبار جميع الشهوات والملذات والأهداف الدنيوية، يستسلمون لبكاءٍ بلا سيطرة، حتى منهم الرجال الأشداء، لما عرفوا من لذّة القرب التي لطالما بحثوا عنها ونشدوها في أماكن خاطئة… لدرجة أن بعضهم يتخلى عن كل شيءٍ من أجل “كل الشيء”…

وأناسٌ تمضي بهم الحياة وهم مبتعدون وماضون في الابتعاد، فقدت منظومتهم الجانب الروحاني فلا يشعرون إلا بما هو مادي ومحسوس… واقتصرت مستقبلات حواسِّهم على مؤشراتٍ محددة للنجاح لا تتضمن أي رسالةٍ في الحياة… يتمسكون بها بكل قوَّة فتُخرجهم عن دائرة الرعاية الإلهية و”الرد الجميل”… معظمهم يستشعر في اللحظات الأخيرة قبل مغادرة روحه الجسد كم كان مخطئًا في حساباته ومؤشراته…

       

        آية “كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب” تلخص مراحل الاقتراب.. وإذا تأملناها سنلحظ أن ذلك…

يبدأ برفض الأفعال التي تبعدنا عن دائرة رحمته ورعايته ومحبته وعلى الأخص ما فيه ظلمٌ للبشر… علمًا بأن الله يمهلنا الشيء الكثير ويغفر لنا الكثير طالما أن في قلبنا لو حتى القدر القليل من الإيمان به…

هذه الأفعال تبعدنا شيئًا فشيئًا، وتأخذنا إلى غفلةٍ تطوِّقنا حتى يصعب خروجنا منها كلما طالت واستمرت واستحكمت

وتأتي المرحلة التالية متمثِّلةً في السجود… أن نضع جبهتنا على الأرض التي منها خرجنا… مقصِد ذلك الأساسي هو إخراج أي قدرٍ من الكبر والتعالي والغرور من النفس بحيث لا تعود تستنكف عن التقرُّب إلى خالقها والإقرار بفضله… فلا يمكننا أن نطلب صِدق القرب من أحدٍ ونحن نتكبر عليه

أتعجب هنا جدًّا من أي شخصٍ يدَّعي أي قدرٍ من الذكاء ويحاكم فرض السجود على أنه حاجةٌ من الخالق لإثبات الذات أو لإشباع الغرور أو لإذلال البشر… إذ كيف يمكن لعقل ذلك الشخص، الذي لا يستطيع هو نفسه فعليًّا الإحاطة التامَّة بأيِّ وأصغر واحدٍ من مخلوقات الله (ولا حتى ادِّعاء ذلك)، أن يدَّعي أي فهمٍ أو إحاطة بخالق تلك المخلوقات وغاياته؟ أو أن ينسب إليه إحدى صفات القصور البشري، في حاجتهم إلى إثبات الذات أو إشباع الغرور أو إذلال الغير؟… أيُّ قدرٍ من الغطرسة والجهل وقلة الذكاء والفهم والأدب مع الخالق يجب أن يكون عليه هذا الشخص ليُقدِّم تفسيرًا كهذا؟! هل من سويٍّ يدَّعي أن الأمَّ تطلب من طفلها إطاعة أوامرها لأنها تقصِد إذلاله؟؟! فكيف بخالق الأم

والآن وقد اجتنب الإنسان ما يحجبه عن مصدر طاقته الروحانيَّة، ويغرقه في دوامة العالم المادي البحت، ثم نزع من نفسه كل كِبرٍ وغرور (وهو أصل كل الشرور)، أصبح بإمكانه أن “يقترب”… بنيَّةٍ صافية ورغبة صادقة في البحث عن السعادة الداخلية…

سنجد شيئًا غريبًا يتَّفق عليه الكثير، وقد اختبرته بنفسي حتى أصبح يقينًا يماثل يقيني بكل ما أستطيع رؤيته ولمسه فعليًّا حولي… وهو أن أجمل إحساسٍ وأقوى إحساسٍ بالحنو واللطف والرعاية الإلهية يأتي في أقسى الأوقات وأصعب المحن وأشد الآلام… عندما يتقبَّل المرء ما يحدث له على أنه كلُّه خير بلا شك… عندها تحدث المعجزات… وتنجلي الرؤية عما تحجبه عادةً شواغلنا اليومية…

وإذا سألت الكثيرين ممن اختبروا هذا الشعور سيقولون …

أجملُ القُرب يكون خلال أقسى الابتلاءات             

أحبك إلهي

إلهي ما أعظمك .. وما أجملك .. وما أرحمك .. وما ألطفك .. يا أرحم الراحمين .. يا من تدبيره فاق كل أمنياتي .. لا تترك لي أمر كتابة قدري فما تقدّره لي أجمل وأفضل .. وكيف أُحسن التدبير وأنا المخلوق الضعيف الذي لا تتجاوز رؤيته وتقديراته بضع سنواتٍ في أحسن الأحوال؟

ليس هناك من شيءٍ أو شخص يستحق حبًا يعادل حبك.. فأنت تملك كل الأشياء والبشر والأفئدة وتحركها كيف تشاء.. إن أحببتك حقًا وأحببتني أتتني كل الأشياء والبشر والأفئدة صاغرةً مع زهدي بها واستغنائي عنها

لمأشعريومًابقربٍمناللهكماشعرتبهفيالسنتينالأخيرتينولمتتجلىليبوضوححقيقةوجودهكمابرزتمؤخرًافيأصعبتجربةٍمررتبهافيعمري

في كل يومٍ يمر بي أرى دليلاً تلو الآخر على ذلك.. وكلما تركت أمرًا لعدم ارتياحي التام لرضا الله عنه ساق لي ربي ما هو أفضل بكثير.. لدرجةٍ لا أستطيع معها إنكار وجود الله أو فضله ورعايته ورحمته أو الاستهانة بذلك إلا إن عَمِيَ قلبي.. فأشكرك ربي على البصيرة

وكيف أستطيع أن أنقل لغيري ما أشعر به يقينًا من رعاية الله لي وتدبيره لأموري تيقني بوجود كل ما أراه حولي من أشياء ماديةٍ محسوسة؟

مثلي إنسانةٌ على درجةٍ كبيرة من الواقعية واحترام ملكات العقل الذي يطالب بالاقتناع شرطًا أساسيًا لتنفيذ أي فعل، لكن من قال أن ذلك يجب أن يدفعنا لأن نلغي درجةً عاليةً من الإحساس بما هو غير مرئيٍ لنا حاليًا.. وفق قدرات إدراكنا الحالية؟

خلال السنتين الأخيرتين كانت رعاية الرحمن معي في كل يوم… برزت لي جليّةً في أمورٍ لا أستطيع حتى تعدادها لكثرتها

رأيتها لي في كل خطوةٍ اتخذتها وأثناء كل فترة ضيقٍ وألمٍ وحزنٍ ومصيبةٍ ألمّت بي

 أيقنت إيقانًا راسخًا بأن كل مشيئة الله وجميع ما يقدره الله لنا وعلينا هو بالفعل خيرٌ كثير رغم كونه مؤلمًا جدًا في بعض الأحيان بدرجةٍ تحجب عنا حينها الحكمة وراءه إلا أنه يخفي بعده أجمل المفاجآت

لذلك كله لا يمكن إلا أقول أحمدك ربي مع كل نفسٍ يخرج مني، بعدد ما خلقت وبعدد ما كان وسيكون وباتساع الكون… و

أحبكأحبكياإلهي

fdac70c6f872adee0cae71bdd4a56763